الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

67

مختصر الامثل

مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 40 ) مسألة الخاتمية : هذه الآية هي آخر ما بيّنه اللَّه سبحانه فيما يتعلق بمسألة زواج النبي صلى الله عليه وآله بمطلّقة زيد لكسر عرف جاهلي خاطيء ، وتبيّن في نهايتها حقيقة مهمة أخرى - وهي مسألة الخاتمية - بمناسبة خاصة . تقول أوّلًا : « مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رّجَالِكُمْ » . لا زيد ولا غيره ، وإذا ما أطلقوا عليه يوماً إنّه « ابن محمّد » فإنّما هو مجرد عادة وعرف ليس إلّا ، وما إن جاء الإسلام حتى اجتثّت جذوره ، وليس هو رابطة طبيعية عائلية . ثم تضيف : بأنّ علاقة النبي صلى الله عليه وآله معكم إنّما هي من جهة الرسالة والخاتمية فقط : « وَلكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيينَ » . وبهذا قطع صدر الآية الارتباط والعلاقة النسبية بشكل تام وقطعي ، وأثبت ذيلها العلاقة المعنوية الناشئة من الرسالة والخاتمية ، ومن هنا يتّضح ترابط صدر الآية وذيلها . ولا شك أنّ اللَّه العليم الخبير قد وضع تحت تصرفه كل ما كان لازماً في هذا الباب ، من الأصول والفروع ، والكليات والجزئيات في جميع المجالات ، ولذلك يقول سبحانه في نهاية الآية : « وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمًا » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 42 ) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 ) تحية اللَّه والملائكة فرج للمؤمنين : لما كان الكلام في الآيات السابقة عن مسؤوليات نبي الخاتم صلى الله عليه وآله وواجباته الثقيلة الملقاة على عاتقه ، فإنّ الآيات مورد البحث تبيّن جانباً من وظائف المؤمنين من أجل تهيئة الأرضية اللازمة لهذا التبليغ ، وتوسعة أطرافه في جميع الأبعاد ، فوجّهت الخطاب إليهم جميعاً وقالت : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا » . ونزّهوه صباحاً ومساءاً « وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » . لما كانت عوامل الغفلة في الحياة المادية كثيرة جدّاً ، وسهام وسوسة الشياطين ترمى من كل جانب صوب الإنسان ، فلا طريق لمحاربتها إلّابذكر اللَّه الكثير .